بورسعيد.. في قبضة "حكومة" البلطجية
 
 

 

 

 
 
  • بالصور.. 20 معلومة عن 4 متاحف في بورسعيد
  • ننشر الأسعار المتوقعة للسجائر بعد زيادة الضريبة
  • حادث تصادم على طريق بورسعيد دمياط يودى بحياة زوج وزوجة
  • المصري يؤدي مرانه الأساسي استعدادا لمباراة الأسيوطي
  • ضبط ألبان معبأة داخل براميل كيماويات في بورسعيد
  • "تموين بورسعيد" تضبط 7 أطنان منظفات "مغشوشة"
  • مخاطر التشوهات وتسرب الغازات تهدد عمال شركة سنمار للكيماويات ببورسعيد
  • تأجيل قضية 3 أشقاء قتلوا شخصين وشرعوا فى قتل ثالث ببورسعيد لفبراير المقبل
  • إحباط تهريب كمية كبيرة من الملابس الأجنبية عبر منفذ الشاحنات ببورسعيد
  • بالصور .. سوق "البالة " ببورسعيد يسيطر علية اباطرة الحصص الاستيرادية والبائعون مش لاقين نأكل ولادنا"
 
 
استطلاع الرأي
   
 
 
معرض الصور
   
 

مواقيت الصلاة
   
 

جديد الفيديوهات
 









 
 
حالة الطقس
   
 
مواقع تهمك
   
 

بورسعيد.. في قبضة "حكومة" البلطجية



كتب :
بتاريخ : 2015-04-23
الساعة : 10:00:25 ص
 
كان الهدف من زيارة بورسعيد الغوص في أعماق الإنسان هناك، فربما نتمكن من إعادة قراءة التاريخ الإنسانى لهذه المدينة العريقة، بعيدا عما قرأناه في الكتب الدراسية أو سمعناه فيما يروى من حكايات، أو كما يشاع أننا لم نعرف المدينة إلا من خلال أفلام السينما التي خلدت جزءا من هذا التاريخ، ثم أعادت رسم ملامح المدينة من خلال المنطقة الحرة، حتى إن معظم شباب هذه الأيام لا يعرفون عنها غير تعصب أهلها للنادي المصرى، أو أنها موطن السلع الاستهلاكية مثل الشامبو والجينز بأنواعه، أو فيما هو سيئ مرفوض بأنها بلد «البالة»، فيما الواقع يشير إلى عكس ما يقال.
فبمجرد أن وطئت «البوابة» أرضها، كان الشعور الأول أنها قطعة من جنة تاريخية تشع جمالا وروعة، فعبق التاريخ يملأ كل شبر من شوارعها العتيقة، فيما كانت المفاجأة أن المحافظة الساحلية بدت كرجل شاخ من الداخل، تاريخه يشير إلى منطقة، فيما الحاضر يسطر عناوين أخرى لهذا الرجل، لذا رأينا أن نزيل الستار عن هذا الواقع، حتى قبيل الحديث المنمق عن الإنسان هناك، حتى لا نتهم بتجاهل ما حدث للمصريين جميعا في العقود الثلاثة الأخيرة، من تغيرات نفسية واجتماعية بل اقتصادية أيضا صبت أحيانا في مصب السياسة، التي أفادتها أحيانا وأضرت بها في آخر تلك الأحيان، فكان المنطلق هو الحياة داخل ميناء بورسعيد، باعتباره عالما قائما بذاته، فيه من المتناقضات الكاشفة الكثير...
في الحلقتين السابقتين تحدثنا عن وجه مختلف لما هو معروف عن المدينة الباسلة، حيث كان الحديث عن بورسعيد الميناء، وعرضنا لجميع أسراره وخباياه، كاشفين عما يحدث داخله من جرائم يراها الجميع، فيما لا يتحرك أي منهم، لذر الرماد في العيون، فيحاول تخليص الميناء من العصابات التي عششت داخله، ثم عرجنا إلى كشف طرق عصابات التهريب خاصة الممنوعات، ثم تزوير تراخيص سيارات المعاقين، سعيًا للمكسب الحرام، فيما نتجه اليوم إلى داخل المدينة، لنرى وجهًا غير الشاطئ والشوارع الأنيقة فيها، حيث قرى الجنوب هناك، وما يحدث فيها، تلك القرى التي لا يعرفها غير من يعيشون فيها، فمن يعيش في قرى أم خلف، الكاب، الرضوان، والفتح، حيث كل ما هو غير آدمى، فالمنازل المصنوعة من الخشب والصفيح، كلها كتب تستطيع إذا قررت أن تقرأ فيها، ومن حولها سطورًا ظلامية، من سيطرة البلطجية والأمراض.
«جزر بلا شطآن».. تعبير يلخص الحالة التي يعيشها، سكان الجزر في المدينة الباسلة، بعد أن سقطوا من حسابات الحكومة، وصارت البلطجة هي الفاعل الرئيسي، والمحرك الفعلى لكل شيء هناك، حتى أصبح الأهالي كمن لطمتهم أمواج البحر العاتية، فلم يعودوا قادرين على معرفة أي شاطئ يمكنهم الرسو عليه، لاسيما بعد أن تنصلت محافظات الإسماعيلية، والشرقية والدقهلية من المسئولية الإدارية لهذه الجزر، فبقيت أسيرة النسيان بين أحضان بورسعيد.
وتمثل أرض الجمعيات «أم خلف»، «العبابدة»، «البياضية»، و«ظهر الجبل»، طرقًا فرعية تربط المحافظات الثلاث، ورغم ذلك فهى تمثل خطورة داهمة، خاصة «أم خلف»، و«بحر البقر»، المتاخمة لمحافظتى الشرقية والدقهلية، حيث يمكن عن طريقهما تهريب كل شيء حتى المسلحين والمطلوبين. الجميع هناك حذرنا من الكتابة عن هؤلاء البلطجية، عبر ضرب الأمثلة لإجرامهم مع من حاول كشفهم، ولكن قرار «البوابة» كان فتح هذا الجرح لتنظيفه.

أنا الحكومة

عندما تطأ قدماك هذه المنطقة خاصة إذا لم تكن من السكان، فإن أول ما يتبادر للأذهان هو ما قاله الفنان أحمد السقا في فيلم «الجزيرة» «من النهارده مفيش حكومة.. أنا الحكومة»، حيث لا سيطرة للأمن على أي شيء، ولا وجود لأى دليل على أن المكان له علاقة بحكومة مركزية تحكم سيطرتها على أراضيها، الأهالي الذين صاحبونا في الرحلة كأدلاء، أكدوا أن هذه المناطق تشتهر بوجود أكبر مخازن للسلاح والمتفجرات في مصر، بعد أن سيطر عليها المجرمون والخارجون على القانون والإرهابيون، الذين اتخذوها مأوى لهم، وأكدوا أن لهذه المنطقة زعيمًا من عائلة شهيرة هناك، كبيرها رجل ذائع الصيت يسكن في قصر بمنطقة «شادر عزام»، له كلمة مسموعة والجميع يأتمرون بأمره، إذ يسيطر على مزارع الاسماك بالمنطقة، وعلى كل شيء تقريبًا.

بدون هوية

المثلث الخالى، منطقة تمتد من رمسيس بالدقهلية، إلى سهل الحسينية ببورسعيد، مرورًا بمنطقة أبو الذهب التابعة للإسماعيلية. فلا توجد كتل سكانية كبيرة، و«كبير العائلة المشار إليه» هذا يعمل نجله ضابط شرطة، وهو من كبار الأثرياء، الجميع يخافونه والبلطجية يقدرونه ولا يتصدى لهم غيره، وهذه المناطق يسكن بها كل من له علاقة سيئة بالقانون، وبسلطات الدولة، والهاربون من الثأر، وهناك محامٍ معروف يتعاون مع هؤلاء البلطجية، لتقنين أوضاعهم في الأراضى التي يسيطرون عليها، فحينما يريدون وضع أيديهم على الأراضي، يحرر لهم عقودًا صورية، وكما تقول المصادر:«يتزعم البلطجية في المنطقة الأولى (أم خلف) و(الكاب)، شخص يدعى (العربى الصعيدي)، وهو هارب من حكم بالإعدام، ويقيم في أم خلف ويساعده رجال من عرب المساعيد وعرب المعازة، بجوار تلك المنطقة هناك ما يعرف بـ«الغنامة»، وهم مجموعات ليس لها هويات رسمية، وغير مسجلين في دفاتر الحكومة، يتزاوجون من بعضهم دون إجراءات رسمية، فقط بقراءة الفاتحة من خلال كبيرهم، وهم تجمع من البدو الصحراويين في ظهر الجبل، وهم يعيشون في الخيام على رعى الأغنام والماشية.

صرخات الرعب

يقول أحد الأهالي ـ طلب عدم ذكر اسمه ـ خوفًا من البلطجية: «نعيش في بؤرة إجرامية بها عدد من الخارجين على القانون من تجار السلاح، والمخدرات، ولا نأمن على أولادنا وأنفسنا»، وأضاف: «منذ بداية الليل لا نخرج إلا للضرورة القصوى، خوفًا من البلطجية، حيث يمكن أن نتعرض للخطف، فهناك أبناء تجار من المدينة تعرضوا لذلك، ودفعوا مبالغ مالية كبيرة كفدية لاسترجاع أبنائهم، هذه المنطقة يتم تأجير البلطجية، منها في المشاجرات وكان نواب الإخوان يستعينون بهم في الانتخابات وكذلك أثناء اعتصام رابعة».
محمد وهو أحد الصيادين بالمنطقة يقول: «يتعرض أبناؤنا للسرقة بالإكراه في وضح النهار، ولا نستطيع فعل أي شيء أمام ما يحملونه من أسلحة، وقد يتصاعد الأمر ويتم خطف أبنائنا»، لافتًا إلى أن هؤلاء البلطجية من الهاربين من بحيرة المنزلة، الذين يسرقون الحاويات والسيارات على الطريق.
سكان قرى الفتح والكاب والرضوان شكاواهم واحدة، حيث يعيشون بلا خدمات أو مرافق. فالوحدة الصحية لا يوجد بها أطباء متخصصون ولا تمريض كافٍ، ولا يوجد من يسعف من يتعرض من الأهالي لحادث، حيث لا توجد وسيلة لإنقاذه سوى نقله إلى مدينة بورسعيد، وهناك أطفال ماتوا قبل أن يصلوا إلى المدينة.

بلا تعليم

مشكلة أخرى يضع الأهالي أياديهم عليها، وهى عدم وجود خدمات تعليمية بقرى الجنوب، فالمدرسون غير مؤهلين تربويًا، ويستعينون بنظام الندب الجزئى للمعلمين، الأمر الذي يؤثر على انتظام هؤلاء المعلمين بمدارس الجنوب، نظرًا لارتباطهم ماليًا وإداريًا بالمدارس المنتدبين منها، علاوة على عدم وجود متابعة جدية من جانب إدارات التوجيه لتلك المدارس، خاصة الواقعة بالجنوب، لبعد المسافة وعدم توافر وسيلة مواصلات سهلة وآمنة.
كذلك لا توجد استراحات أو مساكن إدارية للمعلمين بقرى الجنوب الثلاث (الكاب، بحر البقر، أم خلف)، فضلًا عن ضعف المقابل المادى للمناطق النائية، والذي لا يغطى نصف تكاليف الانتقال لتلك القرى، خاصة مع عدم انتظام سيارات مرفق النقل الداخلى في القيام بتلك المهمة، مما يجعل غالبية المدارس لا تعمل سوى ساعتين على الأكثر خلال اليوم الدراسى.

وكر الإجرام

قرية الفتح يحدها من الجهة الغربية مصرف بحر البقر، ومن الجهة البحرية ترعة السلام، والجهة القبلية قناة السويس، وتعتبر أراضيها أجود الأراضى الزراعية، خاصة منطقة الزراعة (٧) التي حصل عليها الخريجون في عام (٢٠٠٧) لاستصلاحها، والإقامة بها لكنهم لم يستطيعوا استغلالها بسبب العصابات التي تتخذها أوكارًا، واستولوا على المساكن التي بنتها الدولة للخريجين.
يقول ياسر شندل، ٣٨ سنة، حاصل على دبلوم صنايع، صاحب ٥ أفدنة حصل عليها في عام ٢٠٠٧ بعدما استدان مبالغ مالية، وقام بإنشاء ماكينة للري، وتجهيز الأرض للزراعة طرده البلطجية، وهددوه بالقتل، ورغم أنه توجه إلى قسم الجنوب هو والكثيرون من أمثاله لتحرير محاضر ضد الأشقاء الثلاثة، الذين يحكمون تلك المنطقة، «أحمد، محمد، ونسيم توفيق سعيد»، لكنهم لم يجدوا ردًا شافيًا من قسم الشرطة.

الشبار القاتل

الكارثة الأكبر أن هذه القرى تتعرض لقتل ممنهج بشكل يومي، بسبب التلوث البيئى الناتج عن الصرف الكيماوى للمنطقة الصناعية ببورسعيد، والغريب أن وزارة البيئة أثبتت بالتحاليل ارتفاع نسبة المواد الصلبة الذائبة والمواد العالقة، والأكسجين المستهلك كيميائيًا عن الحد المسموح به، مما أدى إلى تلوث البيئة البحرية بمناطق صيد الاسماك، وهو ما يسبب أضرارًا صحية ضخمة وخطيرة للمنطقة، مع نقص المياه الصالحة للشرب، كل ذلك ساعد على انتشار الفشل الكلوى والكبدي، لدرجة أن شهادات الوفاة أغلبها تتضمن هذه الأمراض كأسباب للموت.
ويؤكد البعض أن السبب في انتشار هذه الأمراض، اعتماد الأهالي على سمك الشبار كأكلة مفضلة للبورسعيدية، في حين أن معظمه يحتوى على نسبة كبيرة من الرصاص، ويأتى من بحيرة المنزلة.

كشف المستور

أحمد أبو دراع أحد أصحاب الأراضى المنهوبة من البلطجية، كشف تفاصيل قصة الحفار، التي توضح بالأسماء من اعتدوا على الأقسام في بورسعيد، ويروى أبو دراع التفاصيل قائلًا: «الأشقاء الثلاثة، أحمد ومحمد ونسيم، يمتلكون حفارًا يستخدمونه في الاعتداء على أراضى الخريجين، وكذلك لديهم «لوادر» تساعدهم في تكسير مواسير الصرف والرى وردم الترع بها».
وأوضح قائلا: «حُررت محاضر كثيرة ضدهم وحضرت قوات الشرطة، وتحفظت على الحفار قبل الثورة مباشرة، وكان موجودًا في قسم الجنوب ببورسعيد، وأثناء الهجوم على الأقسام نجحوا في استرداده، ووضع الأشياء المنهوبة من القسم فوقه، وهذه القصة معروفة ويسجل تفاصيلها المحضر رقم ٢٤٢٠ لسنة ٢٠١١، وهو ما يجعلهم من أهم المطلوبين في اقتحام السجون»، وتابع: «ازدهر نشاطهم بعد خلع مرسي، حيث كانوا يمدون اعتصام رابعة بالسلاح، وهذا مثبت عبر قضية تمويل الإخوان بالسلاح، لكن لم يتم القبض عليهم».

مخازن للسلاح

الغريب أن أبو دراع أبلغ قسم الجنوب أكثر من مرة، بأماكن تخزين السلاح، في حظائر الماشية الخاصة بهم، على مساحة تبلغ خمسة آلاف فدان، يسيطرون عليها لكن دون جدوى، وأضاف: «هذه المنطقة تمثل مأوى للخارجين على القانون والهاربين من السجون، في أيام الثورة، وبينهم فارون من أحكام بالإعدام، كما أن هناك مخازن للسيارات المسروقة على مستوى الجمهورية، حيث يتزعمون عصابات سرقة السيارات، من الطريق الدولى ببورسعيد، وطريق بورسعيد ترعة السلام».
الكارثة أن عصابة الإخوة حولوا هذه الأراضى إلى مزارع سمكية، وبالتالى تم إفسادها، حيث يقومون بغمر الأرض بالمياه المالحة، حتى إنهم إذا أرادوا تطفيش أحد، يبادرون بإغراق أرضه بالمياه المالحة، فلا تصلح للزراعة مرة أخرى، ويضطر لتركها بعد أن يخسر كل ما أنفقه عليها.
فيما يصف محمد الدسوقي، أحد أصحاب الأراضى في زراعة (٧)، الأوضاع بأسلوبه قائلًا: «أعوذ بالله من قهر الرجال، لما تلاقى بعد ما تنفق اللى وراك واللى قدامك بيتاخد منك غصبا وبقوة السلاح أو يتم إغراق أرضك بالمياه المالحة، ويضيع مجهودك وتعبك وفلوسك»، وتابع: «استلفت فلوس علشان ازرع شعير أو بنجر وبعدين اتخرب بيتي، بعد أن أفسدوا الأرض وأخذوها، وكمان فلوس الدولة التي أنفقت عليها ملايين الجنيهات لتوصيل مرافق واستصلاحها».

إفراج رئاسي

وكشف الدسوقى عن كارثة جديدة قائلا: «أحمد توفيق كان معتقلا وخرج أيام مرسي، ومدير الأمن الوحيد الذي حرر له محاضر بالتعديات، واعتقله كان اللواء صلاح البرادعي، لذا انتقموا منه باقتحام منزله، في أيام الثورة بقرية صان الحجر بمحافظة الشرقية، وحطموا شقته وشقة شقيقه، لجعله عبرة لمن يحاول أن يمس مصالحهم من رجال الأمن»، وأضاف:«يعاون توفيق وشقيقيه خمسة آخرون هم (الرفاعي، محمد، يوسف، السنوسي، وفرهود) وهؤلاء إخوة وتربطه بهم أواصر النسب مع زوجته الثانية، وهم كاتمو أسراره، وجميعهم يتخذون من أحد المقاهى على كوبرى العجيرة، مقرًا للاتفاق على أنشطتهم، ويعودون ليلًا إلى المنازل المهجورة في الـ٩٠ فدانًا التي يسيطرون عليها.

وللمدينة وجوه أخرى 

بلا أضرحة.. وكنيسة «الزيت» قبلة للمسلمين والمسيحيين في فبراير سنويًا

رغم كل ما تقدم رصدًا لما يحدث في المدينة الباسلة، بل ربما في أرجاء كثيرة من مصر، إلا أن هناك زوايا في المدينة ربما لم يتطرق إليها أحد، منها أنها المدينة الوحيدة في مصر التي لا يوجد فيها ضريح واحد، حيث لا مكان مقدس لديهم يتناقلون عنه الحكايات، سوى كنيسة الأنبا بيشوي، لأن بورسعيد ـ كما يقول الأهالي ـ تشهد معجزة، في شهر فبراير من كل عام تجعلها قبلة لمسيحيى مصر، من كل حدب وصوب متجهين إلى كنيسة «الزيت»، كما يطلقون عليها، وهى كنيسة يحج إليها المسلمون قبل المسيحيين، منذ ما يزيد على ٢٥ سنة، طلبًا للشفاء واستجداء للبركة، ولقضاء حوائجهم، وقصتها تبدأ من حكاية السيدة التي نزل الزيت من يدها بعد رؤيتها للعذراء، في المنام وكانت مصابة بالسرطان وشفيت منه تمامًا، من هنا انتشرت الحكاية، فبدأ ميدان المنشية يكتظ بزوار كنيسة «الأنبا بيشوى» بحى شرق كل يوم الجمعة من كل أسبوع.

جُرسة اللنبى

ومن العادات بالغة الطرافة لدى الأهالي، ما يعرف بالجُرسة، وهى عادة متأصلة فيهم تظهر مدى ما يتمتعون به من تعصب، وسخرية، وهو طقس يمارسونه مثلًا ضد كل من يقوده حظه العاثر لترك خطيبته في شم النسيم، حيث تقوم أسرة الفتاة بصنع دمية على هيئة الشاب، وتعلق في عنقه فردة حذاء قديم، ويكتب اسمه على صدر وظهر الدمية، ويتم إعطاؤها للأطفال الذين يقومون بباقى المهمة، وهى تجريس الشخص المغضوب عليه، باستخدام أقذع الصفات والألفاظ، وينتهى الأمر بإلقاء دمية اللورد «اللنبي» في نار الاحتفال بشم النسيم، وهو أحد المعتمدين البريطانيين الذين أذاقوا المصريين الأمرين، فجاءت هذه الفكرة تعبيرًا عن الغضب الشعبي، لكن بروح أهالي بورسعيد الساخرة، كما يضعون دمية قبيحة على كل «أورنة» أي ناصية الشارع، وينعتونه بأبشع الصفات، ثم يترك للأطفال لتجريسه بكلمات متوارثة، ومنها «يا لمبى يا ابن النبوحة ومراتك...........و شلشوحة».

الدمية والكارينة

كان حريق الدمية يستخدم في زفة الفرح، ثم تحول بعد ذلك إلى طقس في شم النسيم، حيث يشعلون الحرائق فجر اليوم نفسه، وهما نوعان من الحرائق «حريق أول إشارة وحريق ثانى إشارة» لجذب الانتباه، بينما فسر المراقبون ذلك رغم رفض الأهالي لهذا التفسير بأن الدمية ليست سوى تعبير عن التعصب، الموجود في شخصية المواطن هناك، وظهر منذ (١٩١٩) واستخدم للسخرية من الغطرسة والظلم، واتخذت الدمى أسماء كل من عادى الشعب، ففى ٥٦ حملت أسماء إيدن، بن جوريون، أما في عهد مبارك فمثلت الغلاء وإلغاء المنطقة الحرة، حيث أصبحت تسخر من المدرسين والأطباء، وحكام الكرة، وأخيرًا هم يسخرون من داعش، من خلال الفنان المعروف «خضير»، الذي تخصص في صنع الدمى كل عام، الطريف أن كل الأسر تصنع الدمى لكل فرد حسب سنه.ـ أما «الكارينة»، فهى سرقة الأقفاص والكاوتش وبراميل البلاك، التي تستخدم في حرائق شم النسيم كل شارع وحارة يحرسها الشباب ليلًا وكلمة السر بينهم «كرينا ياله»، أي أن هناك سرقة ومن ثم تحدث المشاجرات والمطاردات، بين اللصوص من جهة وبين الخفراء أو الشرطة من جهة أخرى. حكاية أخرى من الحكايات الشهيرة في بورسعيد، عبارة عن أغنية تقول:«الحذاء راح يا دوب مش عارف أجيب مركوب، أبو العربى خلاص بياكل طوب»، كلمات يغنيها التجار بالسوق التجارية، وهى أغنية تراثية كان يغنيها حسن العشرى أحد أشهر من تغنوا بالسمسمية في بورسعيد، نواحًا على حالهم.
ويقول الحاج محمد أبو سليمة، تاجر ملابس إن المدينة التي نالت التقديس والاحترام والاعتراف بالجميل من رؤساء مصر، فعبد الناصر قال في خطابه عنها: «النساء والرجال كانوا يدافعون عن كرامة مصر ببسالة»، وطلب إنتاج فيلم ضخم يجسد بطولات أهالي بورسعيد. وزارةا السادات وجعلها منطقة حرة مكافأة لأهلها، لكنها أصبحت في عهد مبارك نسيًا منسيًا، وكما كانت المنطقة الحرة والسوق التجارية سببًا في ازدهار بورسعيد كلها، أصبحت الآن سببًا في كسادها ـ على حد وصفه، وأضاف: «كانت السوق التجارية مليئة بالشباب في المحال، وأيضًا الباعة والفنادق وكل مظاهر الحياة، كانت تنتعش بزوار بورسعيد، أما الآن فنحن غارقون في الديون»، فيقاطعه السيد رمال، تاجر آخر ويتحدث متأثرًا: «من بعد كارثة مباراة الأهلي والمصرى والحال واقف، وهو ما زاد بعد الثورة حيث انتعش التهريب وخرجت البضائع للقنطرة، فأصبح التجار والأهالي الذين كانوا يأتون للشراء من بورسعيد، يذهبون للقنطرة للشراء بدون جمارك»، وطالب بتخصيص سلعة واحدة لأهل بورسعيد، يستوردونها وتوزع على مصر كلها، فهذا كفيل بحل الأزمة والقضاء على التهريب.
 
البوابة نيوز

   

 
   


 
   

 
 
 
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة لبوابة الصقر - تصميم و تطوير